ابن قتيبة الدينوري

55

تأويل مشكل القرآن

وإن سبّتته مال جثلا كأنّه * سدى وأثلاث من نواسج خثعما ثم قد يسمى النوم سباتا ، لأنه بالتمدّد يكون . ومثل هذا كثير ، وستراه في ( باب المجاز ) إن شاء اللّه . وأما قوله : وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا ( 15 ) قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ [ الإنسان : 15 ، 16 ] ، فقد أعلمتك أن كل ما في الجنة من آلتها وسررها وفرشها وأكوابها - مخالف لما في الدنيا من صنعة العباد ، وإنما دلّنا اللّه بما أراناه من هذا الحاضر على ما عنده من الغائب . وقال ابن عباس : ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء . والأكواب : كيزان لا عرى لها ، وهي في الدنيا قد تكون من فضة ، وتكون من قوارير . فأعلمنا أن هناك أكوابا لها بياض الفضّة وصفاء القوارير ، وهذا على التشبيه ، أراد قوارير كأنها من فضة ، كما تقول : أتانا بشراب من نور ، أي كأنه نور . وقال قتادة في قول اللّه عزّ وجل : كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ ( 58 ) [ الرحمن : 58 ] أي لهنّ صفاء الياقوت وبياض المرجان . وأما قوله : حِجارَةً مِنْ طِينٍ [ الذاريات : 33 ] ، فإن ابن عباس ، رضي اللّه عنه ، ذكر أنها آجرّ . والآجرّ : حجارة الطين ، لأنه في صلابة الحجارة . وقرأت في التّوراة بعد ذكر أنساب ولد نوح صلّى اللّه عليه وسلّم : أنهم تفرّقوا في كل أرض ، وكانت الأرض لسانا واحدا ، فلما ارتحلوا من المشرق وجدوا بقعة في الأرض اسمها ( سعير ) فحلّوا بها ، ثم جعل الرجل منهم يقول لصاحبه : هلمّ فلنلبّن لبنا فنحرّقه بالنار فيكون اللّبن حجارة ، ونبني مجدلا « 1 » رأسه في السماء . وذكر بعض من رأى هذه الحجارة أنها حمر مختّمة . وقال آخرون : مخطّطة ، وذلك تسويمها ، ولهذا ذهب قوم في تفسير ( سجّيل ) إلى سنك وكل . أي حجر وطين . وأما قوله : فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ [ يونس : 94 ] ، فإن المخاطبة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، والمراد غيره من الشّكاك ، لأن القرآن نزل عليه بمذاهب العرب كلّها ، وهم قد يخاطبون الرجل بالشيء ويريدون غيره . والجواب عن هذا مستقصى في ( باب الكناية والتعريض ) فكرهت إعادته في هذا الموضع .

--> ( 1 ) المجدل : القصر المشرق ، لوثاقة بنائه ، وجمعه : مجادل .